الشوكاني

399

فتح القدير

والتوبيخ ، والمعنى : إن لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوا ، فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما اقترحوا ، ثم أجاب سبحانه عن قولهم : هل هذا إلا بشر مثلكم بقوله ( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم ) أي لم نرسل قبلك إلى الأمم السابقة إلا رجالا من البشر ، ولم نرسل إليهم ملائكة كما قال سبحانه - قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا - وجملة يوحى إليهم مستأنفة لبيان كيفية الإرسال ، ويجوز أن تكون صفة لرجالا : أي متصفين بصفة الإيحاء إليهم . قرأ حفص وحمزة والكسائي " نوحي " بالنون ، وقرأ الباقون بالياء التحتية . ثم أمرهم الله بأن يسألوا أهل الذكر إن كانوا يجهلون هذا فقال ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) وأهل الذكر هم أهل الكتابين : اليهود والنصارى ، ومعنى إن كنتم لا تعلمون : إن كنتم لا تعلمون أن رسل الله من البشر ، كذا قال أكثر المفسرين . وقد كان اليهود والنصارى لا يجهلون ذلك ولا ينكرونه ، وتقدير الكلام : إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أهل الذكر . وقد استدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ ، ولو سلم لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة ، لا عن الرأي البحت ، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته . وقد أوضحنا هذا في رسالة بسيطة : سميناها " القول المفيد في حكم التقليد " ثم لما فرغ سبحانه من الجواب عن شبهتهم أكد كون الرسل من جنس البشر فقال ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ) أي أن الرسل أسوة لسائر أفراد بني آدم في حكم الطبيعة يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون ، والجسد جسم الإنسان . قال الزجاج : هو واحد ، يعني الجسد ينبئ عن جماعة : أي وما جعلناهم ذوي أجساد لا يأكلون الطعام فجملة لا يأكلون الطعام صفة لجسدا : أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن الأكل ، بل هو محتاج إلى ذلك ( وما كانوا خالدين ) بل يموتون كما يموت غيرهم من البشر ، وقد كانوا يعتقدون أن الرسل لا يموتون ، فأجاب الله عليهم بهذا ، وجملة ( ثم صدقناهم الوعد ) معطوفة على جملة يدل عليها السياق ، والتقدير : أوحينا إليهم ما أوحينا ، ثم صدقناهم الوعد : أي أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك من كذبهم ، ولهذا قال سبحانه ( فأنجيناهم ومن نشاء ) من عبادنا المؤمنين ، والمراد إنجاؤهم من العذاب وإهلاك من كفر بالعذاب الدنيوي ، والمراد ب ( المسرفين ) المجاوزون للحد في الكفر والمعاصي ، وهم المشركون . وقد أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( وهم في غفلة معرضون ) قال : في الدنيا . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية قال : من أمر الدنيا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( بل قالوا أضغاث أحلام ) أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها ( بل افتراه بل هو شاعر ) كل هذا قد كان منه ( فليأتينا بآية كما أرسل الأولون ) كما جاء عيسى وموسى بالبينات والرسل ( ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ) أي أن الرسل كانوا إذا جاءوا قومهم بالبينات فلم يؤمنوا لم ينظروا . وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان ما تقوله حقا ويسرك أن نؤمن فحول لنا الصفا ذهبا ، فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذي سألك قومك ، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا ، وإن شئت استأنيت بقومك ، قال : بل أستأني بقومي ، فأنزل الله ( ما آمنت قبلهم ) الآية . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ) يقول : لم نجعلهم جسدا ليس يأكلون الطعام ، إنما جعلناهم جسدا يأكلون الطعام . سورة الأنبياء الآية ( 10 )